جلال الدين السيوطي

213

الإتقان في علوم القرآن

فيقول : كذا وكذا ، فيكتبونها ، وقد تركوا لذلك مكانا « 1 » . وأخرج ابن أبي داود ، من طريق محمد بن سيرين ، عن كثير بن أفلح ، قال : لمّا أراد عثمان أن يكتب المصاحف ، جمع له اثني عشر رجلا من قريش والأنصار ، فبعثوا إلى الرّبعة الّتي في بيت عمر ، فجيء بها ، وكان عثمان يتعاهدهم ، فكانوا إذا تدارءوا في شيء أخّروه . قال محمد : فظننت أنّما كانوا يؤخّرونه لينظروا أحدثهم عهدا بالعرضة الأخيرة ، فيكتبونه على قوله « 2 » . وأخرج ابن أبي داود بسند صحيح ، عن سويد بن غفلة ، قال : قال عليّ : لا تقولوا في عثمان إلّا خيرا ، فو اللّه ما فعل في المصاحف إلّا عن ملأ منّا ، قال : ما تقولون في هذه القراءة ؟ فقد بلغني أنّ بعضهم يقول : إنّ قراءتي خير من قراءتك ، وهذا يكاد يكون كفرا ؟ قلنا : فما ترى ؟ قال : أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد ، فلا تكون فرقة ولا اختلاف . قلنا : نعم ما رأيت « 3 » . قال ابن التين وغيره : الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان « 4 » . أنّ جمع أبي بكر : كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته ؛ لأنه لم يكن مجموعا في موضع واحد ، فجمعه في صحائف مرتبا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . وجمع عثمان : كان لمّا كثر الاختلاف في وجوه القراءة ، حتى قرءوه بلغاتهم على اتّساع اللغات ، فأدّى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض ، فخشي من تفاقم الأمر في ذلك ، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتّبا لسوره ، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش ، محتجّا بأنّه نزل بلغتهم ، وإن كان قد وسّع قراءته بلغة غيرهم ، رفعا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر ، فرأى أنّ الحاجة إلى ذلك قد انتهت ، فاقتصر على لغة واحدة . وقال القاضي أبو بكر في الانتصار : لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين ، وإنّما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإلغاء ما ليس كذلك ، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير ، ولا تأويل أثبت مع تنزيل ، ولا منسوخ

--> ( 1 ) وفيه رجل مبهم . ( 2 ) رواه ابن أبي داود في المصاحف . ( 3 ) رواه ابن أبي داود في المصاحف . وانظر لطائف الإشارات 1 / 61 . ( 4 ) انظر البرهان 1 / 235 - 239 - 240 ، ولطائف الإشارات 1 / 63 - 64 ، والمرشد الوجيز ص 70 - 71 .